عيادات تبيع الموتى

لطب مهنة إنسانية نبيلة، قامت في الأساس على تخفيف آلام الناس ومعاناتهم· ولكن عندما تتحول هذه المهنة الى عملية ربحية، يتم التجارة بأرواح الناس، وتجني مكاسبها على حساب راحتهم وعافيتهم، بعيداً عن كل الاعتبارات الإنسانية، فهذه هي المشكلة·

وإذا كان وجود العيادات الطبية الخاصة يساعد على تخفيف الضغط على المستشفيات، وتقديم الخدمات الصحية للمرضى، فإن وجود الصيدليات داخل بعض هذه المرافق يعد مخالفة يعاقب عليها القانون، وتجاوزاً يستدعي الوقوف أمامه·

لماذا يفتح بعض الأطباء صيدليات داخل عياداتهم الخاصة؟ أين وزارة الصحة؟ وما موقف نقابة الأطباء والصيادلة من ذلك؟
 

ما إن تدخل إحدى العيادات تكون الصيدلية التابعة لها أول المستقبلين· لقد تحولت أغلبها الى استثمارات، كل ما يهم القائمين عليها هو جمع أكبر قدر ممكن من الأموال، بعيداً عن أخلاقيات العمل وشرف المهنة·

حاولت الاقتراب من رواد هذه العيادات، بعد أن رأيت علامات عدم الرضا بارزة على ملامح وجوههم الشاحبة·

وما إن اقتربت حتى تلقيت وابلاً من الشكاوى المصحوبة بالآلام والأوجاع، تحكي ممارسات لايتصورها عقل·· بدأها مطيع جزيلان بالقول: صرف لي الطبيب روشتة العلاج وكتب عليها اسم الدواء بخط غريب وغير مفهوم لم أستطع قراءته رغم أنني أدرس في كلية الصيدلة سنة ثالثة· ولأنني أعرف مسبقاً أن العلاج داخل الصيدلية التابعة للعيادة مرتفع السعر، فقد ذهبت الى صيدلية خارجية لشرائه، إلا أن صاحب الصيدلية لم يستطع التعرف على نوع الدواء الذي يقصده الطبيب!

يتابع مطيع: ذهبت بالروشتة الى أكثر من صيدلية، فحصل نفس الشيء، حيث لم يستطع فك طلاسم الروشتة غير الصيدلية التابعة لعيادة الطبيب الذي وصف لي العلاج·
تأكد مطيع حينها أن ما كتب على الروشتة ليس سوى رموز مشفرة يتم التفاهم بمضمونها بين الطبيب وعامله في الصيدلية الذي يستطيع وحده ترجمة تلك الأحرف الى دواء يبيعه بالسعر الذي يريده·

هكذا يستغل بعض أطبائنا الأجلاء تقنية التشفير لتصريف الأدوية المكدسة داخل صيدلياتهم، غير المصرح لها قانوناً·
 

قرصنة


ناجي حمود يعاني آلاماً شديدة في المعدة، دفعته للتوجه الى إحدى العيادات الخاصة في شارع هائل، عل يجد هناك ما يسكن آلامه ويخفف أوجاعه، فكان على موعد مع تجار بزي أطباء وعملية قرصنة دارت أحداثها خلف ستائر بيضاء داخل بيوت الصحة·

لم تشفع للعم ناجي أنات المرض، كما لم تشفع له سنه وجسمه الضعيف، من أن يقع فريسة سهلة لوحوش كاسرة لاتهمها حياة الناس وأرواحهم، بقدر ما تهمها النقود·
يقول: كشف عليَّ الطبيب، ورصد لي أنواعاً عديدة من العلاج، قال إنها ضرورية لحالتي· وعندما أردت شراء الدواء من صيدليته، طلب مني 21000 ريال، بعد أن أكد لي أنه قد عمل تخفيضاً كبيراً في السعر·

ويضيف ناجي: أخذت الروشتة الى صيدلية خارجية علها تكون أرخص، لأفاجأ بأن سعرها 12000 ريال، فعدت سريعاً الى العيادة واشتريت منها العلاج بالسعر السابق،
وذهبت بالأدوية الى صاحب الصيدلية الخارجية الذي طلب مني 12000 ريال، فأخبرني أن الأدوية التي معي ليست بنفس المواصفات التي كانت مكتوبة بالروشتة، وأن ثمنها أقل بكثير مما دفعته، وذهبت مع ابني الى العيادة واستعدنا أموالنا·

قد تكون أحداث هذه القصة خيالية، لكنها واقع عاشه العم ناجي حمود، ويعيشه يومياً كثيرون يقعون تحت رحمة أطباء يعدون التلاعب والمجازفة بأرواح الناس فهلوة لبيع الأدوية وتصريفها، دون مراعاة أن أي تغيير بسيط في الدواء قد يودي بحياة أشخاص أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم طلبوا العافية في بيوت الموت·

من باب عدم الإجحاف بحق الأطباء الذين يقومون بفتح صيدليات داخل عياداتهم الخاصة، كان لزاماً عليَّ أن ألتقي أحدهم لمعرفة رده حول هذا الموضوع·

ومع أنه من الصعب أن أجد طبيباً يعترف ببيع أدوية داخل عيادته الخاصة، إلا أن استياء الأطباء من الرواتب الزهيدة التي يحصلون عليها من الدولة، والمستوى المادي الصعب الذي يعيشونه، دفع أحدهم الى الحديث معي بكل صراحة وشفافية، بعد أن أخذ مني وعداً بعدم ذكر اسمه، كما تأكد من إغلاقي جهاز التسجيل·

الطبيب الذي لم ينكر أن الصيدلية المتواجدة في الطابق الأول من مبنى العيادة، تابعة له، دافع عن هذا التصرف: أرجو من الصحافة ألا تقتصر مهامها في الهجوم على الأطباء، وكيل الاتهامات لهم، دون أن تنظر الى المشكلة بشكل عام·

ثم تساءل: كيف تريدون منا أن نكون ملائكة رحمة وإنسانيين من الدرجة الأولى ونحن لانحصل على حقوقنا كأطباء، رواتبنا أقل رواتب في العالم تقريباً، لاتتجاوز 100 دولار في أحسن الأحوال! فإذا كان الطبيب يدفع هذا المبلغ مقابل إيجار البيت، فمن أين سيعيش؟ وماذا تنتظر منه أن يقدم في ظل هذا الوضع؟!

وزاد: المشكلة لاتعالج من زاوية واحدة، وإنما بشكل شامل، فالطبيب يجب أن يحترم مهنته، والدولة يجب عليها أن تقوم بتحسين أوضاعه بشكل عام، حتى تضمن ممارسة طبية صحيحة، وإلا سيكون هناك خلل في هذه المهنة·

وأكد أن صيدليته تبيع الأدوية التي يحتاجها المرضى دون زيادة أو نقصان، سواء في السعر أو الكمية، وأنه لايستغلها في جوانب غير إنسانية بأية حال من الأحوال·

غياب الرقابه


قد يكون هناك الكثير من الأطباء يمارسون هذه التجاوزات، لكنهم حتماً ليسوا الجميع
فكما أن هناك أطباء يستغلون مهنتهم لابتزاز المرضى، هناك أيضاً على الطرف الآخر أطباء يعملون بمهنية خالصة، ويراعون في مزاولة المهنة الجانب الإنساني بالدرجة الأولى·

وكنموذج لذلك التقيت الدكتور محمد الشلالي، أخصائي الجراحة العامة، الذي قال: من المهم جداً التطرق لمثل هذا الموضوع، حيث أن فتح صيدلية داخل العيادة ممارسة غير قانونية، كون الصيدلية التابعة للعيادة غير مصرح بها أساساً، لأن المفروض فيمن يفتح صيدلية أن يكون صيدلياً وليس طبيباً، هذا الى جانب تعرض المرضى للابتزاز بشكل واضح، كون الطبيب يحاول تصريف وبيع الأدوية المتواجدة داخل الصيدلية، إضافة الى غياب الرقابة الدوائية، حيث قد تكون الأدوية غير صالحة للاستعمال أو فقدت مفعولها·
ويتساءل الشلالي عن دور وزارة الصحة في الرقابة والمتابعة لمثل هذه الممارسات التي تفقد ثقة المريض بالطبيب اليمني·

وعن دور مكتب الصحة حول هذا الموضوع التقيت بالدكتور خالد الإرياني، مدير عام مكتب الصحة العامة والسكان بالأمانة، الذي قال: بالنسبة لفتح الصيدليات داخل العيادات الخاصة، فهذه ممارسة مخالفة لقانون المنشآت الخاصة· ونحن في السابق اتخذنا إجراءات صارمة حول هذا الشأن بإغلاق العديد من العيادات الطبية الخاصة التي تقوم بمثل هذا التجاوز·

ويستدرك أنه منذ بداية العام أعطيت المهمة الى مكاتب الصحة في المديريات، لتتحمل بذلك المجالس المحلية مسؤولية المتابعة والمراقبة للمرافق الصحية الخاصة، وخصصت لها ميزانية لهذا الغرض·

ويواصل الإرياني: دورنا الآن أصبح إشرافياً فقط، بحيث نشرف على مكاتب الصحة في المديريات والبالغة عشرة مكاتب، موزعة على مديريات أمانة العاصمة، وهم بدورهم يقومون بالنزول الميداني والمتابعة، ورفع الكشوفات بالمنشآت المخالفة إلينا كل ثلاثة أشهر·

ودعا المجالس المحلية للقيام بدورها على أكمل وجه، وتشكيل لجان للنزول الميداني، بدلاً من التحجج بالإمكانيات المادية التي تظل شماعة تعلق عليها كل أخطاء المتهاونين·
من جانبه، استبعد الدكتور عبدالمجيد الخليدي، نقيب الأطباء والصيادلة اليمنيين، وجود أي دور للنقابة للحد من هذه الظاهرة، كون المسؤولية تقع على عاتق وزارة الصحة التي قال إنها تتساهل في هذا الموضوع·

ويضيف: إذا كانت اللجان التي تنزل من وزارة الصحة للتفتيش والرقابة، هي التي تتستر على أصحاب العيادات المخالفة مقابل حصولها على حق القات، فماذا تنتظر من النقابة أن تقوم به؟!

وأكد الخليدي أن الدولة هي التي دفعت الأطباء الى القيام بهذه الممارسات·· ثم تساءل: هل عند الوزارة برنامج لتحسين دخل الأطباء قبل أن تحاسبهم؟ وإذا كان الطبيب يدرس 7 سنوات، ثم لايجد حقوقه، فهل يسرق أو يقتل أو يتقطع من أجل أن يعيش، خاصة وأن الطبيب الأجنبي يحصل على ثلاثة أو أربعة أضعاف ما يحصل عليه الطبيب اليمني؟ أم لأن الطبيب اليمني لاينتمي الى قبيلة كبيرة، ولا يملك سلاحاً، يكون من السهل ذبحه؟!

ويختم الدكتور الخليدي كلامه بالقول: نحن ندين استغلال الأطباء لمهنة الطب، ولكن الطبيب بحد ذاته ضحية للفساد في مجتمع لايعير مسؤولوه قضايا الحقوق والمساواة والتنمية أي اهتمام، ولا يعلمون أهمية الصحة في الإنتاج والتنمية والثقافة والدفاع، وفي كل مجالات الحياة التي لن ترتقي في ظل مجتمع مريض·


هذا هو حال الصحة في بلادنا: أطباء يلجؤون الى طرق غير شرعية لتحسين دخولهم، ومرضى يتأوهون بأعلى صوت، مما يتعرضون له داخل المرافق الصحية·

فأي وطن هذا الذي طال فيه الفساد حتى قرص الاسبرين؟
وأين هي دولتنا الرشيدة من كل ما يحصل؟
وما معنى أن ينهج الأطباء هذا السلوك تحت وطأة المستوى المعيشي الصعب؟

هل يحق لنا أن نسأل بعد أربعين عاماً،
ماذا حققت الثورة، اذا كانت الصحة مفقودة، والفقر مازال يهيمن على العاملين بها؟