الفقر أمامـهم والبلـدية من خلفـهم

مداهمات واعتقالات·· سجون وغرامات·· مطاردة وابتزاز·· خوف ورعب·· حقوق مباحة، وكرامة مغتصبة، وآدمية لا معنى لها في قانون البلدية· هذا يتعرض للضرب، وذاك للتهديد، وآخر لمصادرة رزقه الوحيد· حينما يقرر الواحد منا الخروج من منزله لزيارة صديق، أو لقضاء حاجة ما، أو لشراء بعض المسلتزمات من السوق، يجد العشوائية والظلم بأبهى صورهما، تتجلى في ممارسة رجال البلدية هوايتهم المفضلة في تعذيب المساكين· حينما تلعب المزاجية دورها في الحياة، فإن الخلل يبلغ الذروة، ويظهر الفساد في البر والبحر· ما يجري هذه الأيام في مختلف شوارع أمانة العاصمة، من مطاردات للباعة، والسطو على ممتلكاتهم المتواضعة، لهو أكبر بكثير مما نتصوره· إن المتابع الحصيف لهذه الأحداث، يظنها لأول وهلة تظاهرة رياضية في الوثب العالي، وبرعاية بلدية أمانة العاصمة، وعلى طريقتها الخاصة· الآن، دعونا نسلط الضوء على هذه التظاهرة، وهذه المطاردات الماراثونية الإجبارية على باعة الأرصفة· ولأن المنافسة على أشدها، والمشاركين كثر، فكونوا معنا لنتعرف على انطباعات المشاركين، ورأي الجهة المنظمة لهذا الحدث المشؤوم· فمع تفاصيل أكبر تظاهرة رمضانية تقيمها البلدية التي تعد طرفاً في هذه المنافسة·
التقينا بأحد الباعة المسنين، يدعى الحاج قاسم، ووجهنا له سؤالاً عن كيفية العمل وتعامل البلدية معهم· وقبل أن يجيب على السؤال، أخذ نهدة طويلة، أتبعها بالقول: "آه يا ابني، أي عمل هذا الذي تسأل عنه، والله يا ابني، ومن فضَّل الشهر الكريم، أنني اليوم دخلت سجن البلدية مرتين؛ مرة في العصر، وأخرى في الليل، وسلمت غرامة: ألفين وأربعمائة ريال، في كل مرة ألف ومائتي ريال· قطعوا أرزاقنا البلدية الله يقطع أرزاقهم· تصدق أن شغلي اليوم هو تسعمائة ريال، والغرامة ألفين وأربعمئة ريال· هذا هو العمل، وهذا هو حالنا مع البلدية"· ودَّعنا الحاج قاسم وهو يحبس الدموع التي امتلأت بها عيناه، وحاله ليس أفضل من غيره، إذ الحال من بعضه هنا وهناك، فتجد الكثير من هؤلاء الباعة يفضلون الموت على حياتهم المؤلمة والصعبة جداً جداً· " أما عائض عوض فقد تطرق الى أكثر من جانب في حديثه معنا، إذ قال: "الكثير يسأل لماذا لانلتزم بالأماكن والأسواق المحددة بها، ونجنب أنفسنا المطاردة· البلدية يا أخي لاتريد لنا الاستقرار، وتريد أن نظل شقاة عليهم فقط· فلو حددوا لنا أماكن لقطعوا بأيديهم رزقهم!"· ولم يكتف عائض بذلك، بل واصل حديثه بالقول: "إن البلدية ورجالها في هذا الشهر الكريم، يتعاملون معنا بطريقة غريبة، وكأننا حيوانات أو أقل مرتبة، فتجدهم يرددون عبارات "إطلع من الشارع يا حمار·· يا طرطور·· يا هين··" والكثير من العبارات المشينة· وثمة أشخاص لا علاقة لهم بالبلدية البتة، تجدهم يمارسون تخويف الناس وإرعابهم لمجرد أن لهم أقرباء موظفين في البلدية، ولهذا اشتركوا معهم في تخويف الناس وابتزازهم!"· الغريب حقاً هو إصرار البلدية وموظفيها على منع الباعة المتجولين من مزاولة نشاطهم التجاري المتواضع، دون إيجاد حل لمشكلتهم أو للتفكير بذلك· والباعة المتجولون يعولون أسراً· وما أجبرهم على احتراف هذه المهنة، إلا الحاجة والفقر المدقع· ولو كان لديهم أعمال غيرها، ما تحملوا تقلبات الطقس، ومزاجية وقسوة رجال البلدية· " عندما التقينا جميل التعزي، قال لنا بالحرف: "أنا طالب أدرس وأعول أسرة، وليس أمامي إلا أن أعمل في الشارع، وأواصل دراستي، وأعول أسرتي· لكن البلدية لاتريد أن نعيش على ما يبدو، فهل نخرج نشحت أم ماذا نعمل بالله عليكم؟!"· معاناة الباعة كثيرة وكثيرة جداً· وضدهم تمارس البلدية أقسى العقوبات والجزاءات الظالمة، لا لشيء، إلا لأنهم يعولون أسراً، ويطلبون الله على أنفسهم لعلهم يحتفظون بكرامتهم، وما بقي لهم من ماء الوجه· لكن البلدية تأبى ذلك· فهل يصمد الباعة في وجه البلدية وطغيان رجالها، أم يتحولون الى لصوص وقطاع طرق؟! " وهنا كان لنا لقاء آخر مع جمال أبو الغيث، الذي وصف وضعه مع البلدية بالقول: "البلدية تعاملنا كما يعامل الإسرائيليون الفلسطينيين· فلو كان موظفو البلدية على قدر من المسؤولية والعلم، لما تصرفوا بهذه الطريقة الهوجاء، ولما أصبحوا في نظرنا ظلمة يأخذون حقوقنا دون وجه حق"· " وفي أثناء جولتنا في الشوارع، التقينا قاسم الشرعبي الذي قال: "والله ماعد درينا أننا نطلب الله على أنفسنا وأسرنا أم على البلدية أم على تجار الجملة! فلو كان رأس مالك عشرين ألف ريال، لحققت أرباحاً هائلة خلال أسبوع، حيث سيصبح رأس المال بعد الأسبوع أقل من عشرة آلاف ريال، لأنك سوف تبيع وتسلم المبلغ أولاً بأول للبلدية· الحمد لله الذي لايحمد على مكروه سواه"· " وقبل أن ننهي جولتنا مع الباعة، وأخذ انطباعاتهم عن البلدية، والوضع بشكل عام في هذه الايام المباركة من الشهر الكريم، التقينا بأحد الأشقاء السوريين الذي يعمل بائعاً في الرصيف، ويدعى إيهاب، والذي تحدث عن معاناته مع رجال البلدية، موجزاً بالقول: "يا أخي البلدية يتهجمون علينا يومياً، ويعبثون بالبضاعة، ويرمونها للشارع، ناهيك عن الضرب والشتائم والغرامات، فخذ مثلاً: أنا سبق لي أن تعرضت للضرب من قبل رجال البلدية، وأخذوني الى السجن· وهناك مجبراً دفعت مبلغ ألف ومائتي ريال غرامة، وخرجت· وتكررت معي العملية من بداية رمضان للمرة الخامسة، على الرغم من أنني دفعت في بداية رمضان مبلغ ثلاثة آلاف ريال لأحد موظفي البلدية، لكنها لم تحمني سوى يومين فقط لا غير!"· " وعليه، وبعد كل ما سبق ذكره، توجهنا الى إحدى المناطق التابعة لأمانة العاصمة، وزرنا سجنها، ومن به من الباعة، واطلعنا على همومهم ومشاكلهم، وهي لاتختلف كثيراً عما سبق تقديمه في هذه السطور· وتوجهنا الى موظفي المنطقة، وزرنا مكاتبهم، ورفض معظمهم الحديث، مكتفياً بالقول: "يا أخي هذا نظام على الصغير والكبير"· وأما أحدهم الذي لم يحب ذكر اسمه، فقال: "إننا ننفذ أوامر، وليس لنا في الأمر شيء· صحيح أننا نظلم الباعة، ولم نعمل لهم ولنا حلاً، ولكن هذا ليس بأيدينا"· وهنا أشخاص آخرون يشكون من الامتيازات التي تمنح لبعض الباعة دون الآخرين، فيتم ترفيع البعض، وترك الآخرين ممن يتمتعون بحق النقض أو يملكون فيتامين (و)· حتى الطبقية والامتيازات تطبق على باعة الأرصفة يا سبحان الله! إذن، هل المطاردة والضرب والابتزاز هو الحل؟ وهل الحل بأيدي الباعة أم البلدية؟ وإلى متى سيظل مسلسل المطاردة والنهب والسلب والشتم قائماً؟ وهل الأستاذ أحمد الكحلاني، أمين العاصمة، على علم بذلك أم لا؟ وهكذا أصبح باعة الأرصفة محصورين بين الفقر من أمامهم والبلدية من خلفهم·· فإلى أين المفر؟